شريط اعلانات

اخوتي في مشارق الارض و مغاربها .. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.. هذه مدونة متواضعة الهدف منها: -خدمة الشريعة .. - نشر العلم النافع .. - تصحيح ما تيسر من المفاهيم الخاطئة .. -الترويح عن النفوس ببعض الملح و النوادر و الحكم .. - و ان تكون صدقة جارية بعد مفارقة هذه الحياة الفانية .. والعضوية فيها مفتوحة لكل من يؤمن بهذه الاهداف ليشارك في خدمة الاسلام و نفع المسلمين . مشاركتكم تقوينا .. وتعليقكم ينفعنا .. و زيارتكم تشجعنا*** اقرأ في هذه المدونة : المظاهر خداعة -الاسلام دين الفطرة و الانسجام مع الكون - من طرائف الطلاب (من هنا و هناك) - علمتني الطبيعة - وحوش المجرة- يمكن البحث في مواضيع المدونة و أرشيفها من خلال زر البحث - و يمكن ترجمتها الى أكثر من 40 لغة من خلال زر الترجمة

الثلاثاء، سبتمبر 24، 2013

مظاهرات السودان

----------------- المظاهرات و الاحتمالات المنطقية --------------------
                                                           الاستاذ عادل عبد الوهاب
بسم الله و الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله و بعد :
*احتمالات تغيير منكرات النظام و اصلاح فساده عبر المظاهرات :

الاحتمال الأول : زوالها بالكلية و حلول الخير و النماء
الاحتمال الثاني : نقصانها و التقليل من انتشارها
الاحتمال الثالث : ظهور منكرات مساوية لها
الاحتمال الرابع : ظهور منكرات اكبر منها

*احكام هذه الاحتمالات:

في الاحتمال الاول : الانكار واجب ، لان ازالة المنكر واجبة . و من الادلة على ذلك قوله تعالى "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "(104) .آل عمران.

في الاحتمال الثاني : الانكار واجب ، لأن تقليل الفساد واجب ان لم نقدر على ازالته .
ومن الادلة على ذلك حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه حيث قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :« من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ». أخرجه مسلم
في الاحتمال الثالث : الانكار و عدمه سواء ، لأنه لن يغير شيئا .و من الأدلة على ذلك قوله تعالى (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41))يونس

في الاحتمال الرابع : الانكار محرم ، لأن النتائج ستكون عكسية ، و الفساد سيتضاعف ، و الشريعة تدعو الى ترك الانكار اذا كان يؤدي الى منكر اكبر ، و من الأدلة على ذلك قوله تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) )الانعام

* وجهة نظر :

بالنظر الى واقعنا المعاصر ، و نتائج المظاهرات المشاهدة  فالاحتمال الذي تحقق هو الاحتمال الرابع (و حكمه التحريم) لان المظاهرات لم تقض على الفساد و كذلك لم تقلل من انتشاره بل زادت الفساد و الخراب ، و هيأت الجو للمفسدين لتسوية الحسابات الشخصية ، و مهدت المناخ للسفهاء ليصلوا الى مآربهم الدنيئة ، و الضحية هم المواطنون البسطاء واصحاب المحلات و المتاجر و الكادحين من اجل لقمة العيش ، لهذا و غيره قال النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث المروي عن ابن عباس رضي الله عنه  ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة ٌ جاهلية) متفق عليه .


*مع العلم بان المظاهرات حولها الملاحظات التالية :
 
1- لافتاتها المرفوعة متباينة و احيانا متعارضة ( فمنهم من يريد اسقاط النظام ، و منهم من يريد اصلاح النظام ، و منهم من يريد المشاركة في النظام ، و منهم من له شعاره الخاص)

2- نتائجها مجهولة و خارجة عن السيطرة ( بدايتها تكون معلومة ، اما نهايتها و ما يترتب عليها فليس الى معرفتها سبيل )

3- عناصرها و افرادها ذوي انتماءات مختلفة ، و مرجعيات متناقضة (خليط غير متجانس من النكرات ، و مجهولي الهوية ، و الأُميين ، والمثقفين  ، و العمال ، و الموظفين ، و الاكاديميين ، والسياسيين ، و العملاء ، و الجواسيس ، و السفهاء ، و غيرهم )

4- أدواتها مخربة و مهلكة ( الحرق ، التدمير ، النهب ، السلب ، القتل)

و الحل طويل الأمد ، و يحتاج الى صبر و جلد ، و مفتاحه قوله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )  ، و قد ربَّى النبي صلى الله عليه و سلم اصحابه 21 عاما ثم فتح بهم مكة في السنة الثامنة للهجرة .. فلكل مقام مقال و لكل حال حال .. و لا بد من المضي قدما  في ميدان التربية و الاصلاح الاخلاقي  ، بعزم أكيد ، و سعي حثيث ، و نفس طويل ، فعندما يتغير المحكوم حتما سيتغير الحاكم ، كما انه :
قــــــد يدرك المتأني بعض حاجته * و قد يكون مع المستعجل الزللُ

الاثنين، سبتمبر 16، 2013

ثنائيات رباعية (3)



ثنائيات رباعية في العلوم النقلية و العقلية (3)

(القوة و الأمانة)
الاستاذ عادل عبد الوهاب



الحمد لله و كفى ، و الصلاة و السلام على نبيه المصطفى ، و آله و أصحابه أهل الأمانة و الوفا ، و بعد :

القوة و الأمانة  صفتان محبوبتان بين الناس ، مرغوبتان عند البشر ، و القوة تشمل القوة البدنية ، و الشجاعة القلبية ، و الفصاحة اللسانية ، و الحصيلة العلمية ، والمكانة الإجتماعية المتمثلة في الشهرة و المال والأتباع ، و كذلك الهمة العالية ، و العزيمة الماضية ، و المبادرة الفاعلة ، فكل واحدة من هذه الصفات تمثل مظهرا من مظاهر القوة ، و هي متفاوتة بين البشر . أما الأمانة فجوهرها الصدق ، و حسن الخلق ، و نقاء السريرة ، و المروءة ، و كل ما جاءت به الرسالات من مكارم الأخلاق ، و محاسن الصفات ، و الناس فيها كذلك منازل متباينة  ، و مراتب شتى ، و قد انقسموا باعتبارهما إلى أقسام أربعة :



الأول : من له أمانة و ليس له قوة

 و هذا أوسطهم حالا ، اجتمع فيه خير و شر ، و خيره غالب على شره ، فيكون أمينا صادقا ، تقيا ورعا ، مخلصا ، حسن الخلق ، لكنه ضعيف في بدنه ، أو  فقير لا يملك شيئا من حطام الدنيا ، أو سلبي ليس له أثر فيما حوله ، أو قليل العلم ، أو عاجز عن التعبير السليم عن نفسه أو عن غيره . و هذا النوع هو الذي استعاذ منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال ( اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر ، و عجز التقي) .

 و الضعف قد يكون عارضاً يزول بزوال أسبابه كما كان حال النبي صلى الله عليه و سلم و المسلمين في بداية الدعوة ، و دعاؤه مشهور بعد حادثة الطائف و تطاول السفهاء  عليه حين قال (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ،يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين...)فيض القدير ج2 ص150 .

 فالضعف يكون ابتلاء من الله دون تقصير ، و صاحبه  مخفوض عند الناس ، لكنه مرفوع عند رب الناس ، كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم ( رب أشعث أغبر ذي طمرين ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبره ) أخرجه الحاكم وغيره. و قال الشاعر :



رُبَّ ذي طمرين نِضْوٍ * يأمَنُ العَالَمُ شَرَّهُ

لا يُرى إلاّ غنيـــــــــاً * وهو لا يملكُ ذَرَّهْ

ثم لو أقسمَ في شيءٍ * على اللـــــهِ أَبَرَّهْ



و من صور ذلك :

-          الدعاة و المصلحون الذين يعانون من  محدودية العلم ، أو الضعف البدني ، أو ضعف اللغة ، أو قلة الإمكانيات ، أو  غيرها من مظاهر النقص و التقصير . وقد يكون ذلك بسبب سوء الفهم ، أو وهن العزيمة ، و فتور الهمة و هنا يظهر القصور الذاتي ، و النقص الشخصي فيصدق قول المتنبي :



و لم أر في عيوب الناس شيئا * كنقص القادرين على التمام



 و هذا من عجائب الأمور قرب الدواء و استفحال الداء ، و استحكام المرض مع تيسر اللقاح و العلاج ، و صدق من قال :

و من العجائب و العجائب جمة * قرب الشفاء و مـــــا إليه وصول

كالعيس في البيد اء يقتلها الظمأ * و المــــاء فوق ظهورها محمول



-          الأمة الإسلامية منهاجها خير منهاج ، و رسالتها أسمى رسالة ، لكنها ضعيفة بين الأمم ، لا قوة لها و لا كلمة ، بل أصبحت تبعاً لغيرها ، تتلقى المعونات ، و تستقبل الضربات ، و ترضى بالفتات من خيراتها المسلوبة ، و ثرواتها المغصوبة ، و ما دامت على هذه الحال فلن تزداد إلا ضعفا و تبعية ، لأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، و لا يفُلُّ الحديد إلا الحديد ، و لا يغني الشجب و التنديد ، و من كان الضعيف فإن حجته ضعيفة ، و لا يطاع لقصير أمر (و هذا هو عجز الثقة) .

  هذا الواقع المرير يمكن تغييره ، و تلك الصورة المشوهة يمكن تحسينها ،  فالقوة كامنة في رسالتنا ، متغلغلة في مبادئنا التي سدنا بها العالم زمناً ليس بالقصير ، و حكمنا بها الدنيا :



و الليث ليث و لو كَلَّت مخالبه * و القرد قرد و إن لبس العمامة



الثاني : من له قوة و ليس له أمانة

 و هذا شرهم ، و أخبثهم ، و ضرره غالب على نفعه ، و خطره كبير ، حيث يكون قويا في بدنه ، أو كثير المال ، أو عظيم الجاه كثير الأتباع ، أو فصيح اللسان ، أو واسع الثقافة و الإطلاع ، لكنه لا يعرف الأمانة ، و لا يدري ما الصدق و الوفاء ، قبيح الخلق ، سيئ النية ، خبيث الطوية ، سخر ما عنده لنصر الباطل و نشره ، و حرب الحق و أهله ،  و من صور ذلك :



-          المنافقون من أجمل الناس منظرا ، و أحلاهم لسانا ، و أقواهم أبدانا ، و أكثرهم أتباعا و جمهورا ، لكنهم مرضى القلوب ، ضعاف النفوس ، يقولون ما لا يفعلون ، و يظهرون ما لا يبطنون ، فمظاهرهم خادعة ، و بواطنهم مظلمة ، و صدق الشاعر حين قال :



و هل ينفع الفتيان حسن وجوههم * إذا كانت الأخلاق غير حسان

فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى * فما كل مصقول الحديد يماني



قال الله عنهم (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) البقرة ، و قال عنهم (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)المنافقون ، قال السعدي في تفسيره:

  [ (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) من روائها ونضارتها، ( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) أي: من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح شيء، ولهذا قال: ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ )لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم ، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم. فهؤلاء ( هُمُ الْعَدُوُّ ) على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، ( فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) أي: كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا يفيدهم إلا الخسار والشقاء ].

و هؤلاء تحركهم مصالحهم ، و تقودهم شهواتهم ، و حكايتهم مع المجتمع كحكاية الثعلب المكار مع الديك الصداح ، والتي صورها الشاعر أحمد شوقي في  القصيدة الرمزية التالية :



بـــــرز الثــــعلب يـــــوما  *  في شعــار الواعظـــيــنا
فمشى في الأرض يهـدي  *  ويســـب المـــــــــاكرينا
ويقـول : الحــــــــــمد لله  *  إلــــــــــه العالمـــــــــينا
يا عبــــــاد الله توبــــــوا  *  فهو كــــــــهف التــائبينا
وازهــدوا في الطــــــير  *  إن العيش عيش الزاهدينا
واطلبــــــوا الديك يؤذن  *  لصــــلاة الصــــــبح فينا
فاتى الديــــــــك رسول  *  من إمــــــــام الناســــكينا
عرض الأمـــــــر عليه  *  وهو يرجـــــو أن يليــــنا
فأجاب الديــــــك عذراً  *  يــــــــا أضل المهتـــــدينا
بلّغ الثعــــــــــلب عنّي  *  عن جدودي الصالــــحينا
عن ذوي التيجان ممن  *  دخل البطن اللعـــــــــــينا
إنهم قالوا وخــــــير الـ  *  قول قول العــــــــــارفينا
مخطئ من ظن يومـــاً  *  أن للثــــــعلب دينـــــــــا



-          و من صور ذلك الكفار الذين يملكون القوة و السلاح ، و المال والأنصار ، و أصبحت بيدهم مقاليد الأمور ، لكنهم حرب على الإسلام و أهله ، و هذا من مصائب الدهر ، و محن الزمان ، و علامات الساعة ، أن يتقدم السفهاء و يتأخر الفضلاء كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال : قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إذا ضيعت الأمانة ، فانتظر الساعة ، قيل : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة ) . و لله در القائل :



رأيت الدهر يرفـع كل وغـــد * و يخفض كل ذي رتب شريفة

كمثل البحر يأخــــــذ كل حي * و لا ينفك تطفو فيه جيفــــــــة

و كالميزان يخفض كل واف * و يرفع كل ذي زنة خفيــــــــفة



و قد قال الله عنهم مبينا عداءهم المستحكم و حقدهم الدفين (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)البقرة 215 ، و مع ذلك نهى الله عز و جل عن الإستسلام لهذا الواقع العابر ، أو الإنهزام أمام هذا الطغيان الغاشم ، فقال لرسوله صلى الله عليه و سلم (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَادِ مَتَاعٌ ، قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)آل عمران 196-197، لأنه مهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر ، و صدق الشافعي حين قال :



تموت الأسد في الغابات جوعاً  *  و لحم الضان تأكله الكـــــــلاب

وذو سفهٍ ينـــــــــام على حرير  *  و ذو فضل مفارشه التـــــــراب





و من الأمانة أن نقول أن بعض هؤلاء قد نجد فيهم أمانة ، و رحمة ، و حسن خلق ، و رفق بالحيوان أكثر مما عند كثير من المسلمين ، و هي التي فتنت كثيرا ممن ينتسبون إلى الإسلام ، فاغتروا بما عندهم من فتات الأخلاق ، و سراب القيم ، لكن الفرق بيننا و بينهم أنهم يفعلونها عادة و إنسانية ، و المسلمون يفعلونها طاعة و عبودية ، و هي حسنات مغمورة في بحار سيئاتهم ، و أعمالهم يوم القيامة (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) النور 39-40



-          و مِن صور ذلك الفجار و السفهاء من أبناء المسلمين الذين يتجلدون في الباطل ، و يتحملون الصعاب ليصلوا إلى إرواء شهواتهم و إشباع نزواتهم ، من الظلم والبطش و الاحتيال ، و استضعاف الفضلاء ، و أكل المال بالباطل ، بلا حياء و لا تردد ، و كانهم صم عن قول الشاعر:



لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا * فالظلم مصدره يفضي إلى الندمِ

تنام عيناك و المظلـوم منتبه * يدعو عليك و عين اللـــه لم تنمِ



-          و من صور ذلك أيضا الظلمة من حكام المسلمين و أعوانهم المتجبرون ، الذين يشددون على الرعية ، و يبطشون بالضعفاء ، و ينهبون و يسلبون قريبا أو بعيدا عن أعين الرقباء ، فهؤلاء و يل لهم كما قال الشاعر:



إذا خــــان الأمير و كاتباه * و قاضي الأرض داهن في القضاء

فويـــل ثم ويــل ثم ويـــل * لقاضي الأرض من قاضي السماء



فالدول تبقى مع العدل و إن كانت كافرة ، و تزول مع الظلم و إن كانت مسلمة .

الثالث : من ليس له قوة و ليس له أمانة

فيكون ضعيف البدن ، عليل الجسد ، قليل الحيلة ، أو فقيرا معدما ، و مع ذلك يكون بذيئا ، سيئ الأخلاق ، لا دين له و لا أمانة ، و هذا أتعسهم ، فلم يفلح في دين ، و لم ينجح في دنيا ، لا يألف و لا يؤلف ، و يصدق عليه المثل القائل ( لا في العير و لا في النفير) ، و حاله كلحم جمل غثٍّ ، على رأس جبل وعْرٍ ، لا سهلٌ فيُرتقَى ، و لا سمينٌ فيُنتقَى ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .  و من صور ذلك :

-          الشيخ السفيه ، و الأشيمط الزاني ، و العائل المستكبر كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه و سلم :  (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولهم عذاب أليم : أشيمط زان ، وعائل مستكبر ، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) فيض القدير ج3 ص436، و العائل هو الفقير الذي ينبغي أن يكون هينا لينا ، و الأشيمط هو الشيخ الكبير الذي ينبغي أن يكون بعيدا عن الزنا لضعف شهوته ، و انحراف الشيخ صعب العلاج ، لأن من شبّ على شيء شاب عليه ، و من شاب على شيء مات عليه ، و من مات على شيء بعث عليه ، هذا على التغليب و ليس على الدوام ، كما قال الشاعر :



وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده  *  وإن الفتى بعد السفاهة يحلم



-          الشباب الفاشل العاطل ، البعيد عن معاني الرجول ، المتصف بالميوعة و التخنث الذي تعجب الشاعر من حاله فقال :

و ما عجبٌ أن النساء ترجلت * و لكن تأنيث الرجال عجيب

و من أسباب ذلك الترف ، و الدلال الزائد داخل الأسرة ، و غفلة الآباء ، و ضعف التربية . و يلحق بهؤلاء المسترجلات من النساء فهم سواء ، هذا أضاع رجولته فتحول إلى نكرة ، و تلك فقدت أنوثتها فأصبحت لا شيء ، و رحم الله القائل :



تلقى فتـــــاة في ثياب ترجــــــــــل   *   فتخالها من جملة الفتيــــــــان

نفس الملابس و المجالس و الخطا  * لم يبق إلا الشعر في الأذقــــان

أو قد ترى في الوجه دون تعمــــد   *  عجبا من الأصباغ و الألــــوان

و إذا رايت جلوسهم و حديثهم  *   ورأيت أكواما على الميــــــدان

لرأيت من دول الأعاجم لوحـة   *   مرسومة بأنامل الشيطـــــــــان

و لسوف تقسم بالإله مجــاهرا   *   أن قد رأيت الغرب رأي عيـان





الرابع : من جمع بين القوة و الأمانة

 فيكون قويا في بدنه ، أو غزيرا في علمه ، أو كثيرا في ماله ، أو فصيحا في قوله ، أمينا تقيا رفيقا ، حسن الخلق ، وهذا خيرهم و أفضلهم و أنفعهم كما جاء في القرآن ( إن خير من استأجرت القوي الأمين) ، و كما جاء في الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفى كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أنى فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم

و من صور ذلك :

-          الشاب المستقيم ، الورع المتعفف ، و الحاكم العادل ، المنصف لرعيته ، فهؤلاء أقوياء و مع ذلك أمناء ، و هم من السبعة أصحاب الظل يوم القيامة ، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) و ذكر منهم  (إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ) وساق الحديث إلى آخره .

-          الداعية المتمكن ، غزير العلم ، واسع الاطلاع ، قوي الحجة ، حسن الخلق ، بليغ الخطاب ، قوي البدن ، المتفاعل مع مجتمعه  ، هو الداعية الحي ، و المربي القدوة ، الذي سيغير وجه الأرض .

-          الأمة الإسلامية  حين تتسلح بالإيمان ، و تتحصن بالعلم ، و تقوم صفا واحدا في مواجهة أعدائها كالبنيان المرصوص ، و حين تحقق قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)التوبة 60 تعود صاحبة الريادة و القيادة ، و الكلمة و السيادة  ، و يتحقق فيها قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) 110 آل عمران ، و لن يقف في وجهها عدو ، و تكون هي المعنية بقول الشاعر العشماوي متفائلاً :



صبح تنفس بالضــياء وأشرقا * الصحوة الكبرى تهـــــــز البيرقا
وشبيبة الإســــــلام هذا فيلق  * في ســـــــــاحة الأمجاد يتبع فيلقا
وقوافل الإيمان تتخذ المـــدى * دربا وتصنع للمحيـــــــط الزورقا
وحروف شعري لا تمل توثبا * فوق الشفاه وغيب شعري أبــــرقا
وأنا أقول وقد شرقت بأدمعي * فرحا وحق لمن بكى أن يـــــشرقا
ما أمر هذه الصحوة الكبرى  * سوى وعـــــد من الله الجليل تحققا
هي نخلة طاب الثرى فنــــما*  لها جذع قوي في الـــتراب وأعذقا
هي في رياض قلوبنا زيتونة * في جذعها غصن الكــــرامة أورقا
فجر تدفق من سيحبس نـوره * أرني يدا سدت علينــــــــا المشرقا
يا نهر صحوتنا رأيتك صافيا * وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى

فجر تدفق من سيحبس نـوره * أرني يدا سدت علينــــا المشرقـــا







و نواصل حديثنا مع ثنائية أخرى بمشيئة الله

                                                     والله الموفق

الأحد، يوليو 07، 2013

اهلا رمضان

’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’ أهلا رمضان‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘

لا تَدْخُلَنَّ الفيــسَ فِي رَمَضَـــــانِ * وَ كَفَاكَ مَا قَدْ ضَــــــاعَ مِنْ أَزْمَــانِ
لَوْ كُنْتَ مُتَّصِلاً وَ كُنْتَ مُشَـــــمِّراً * فَالْوَصْلُ أَسْمَى فِي رِضَى الرَّحْــمَنِ
كُنْ صَائِــمًا عَنْ كُلِ لَــــهْوٍ مُفْسِدٍ * وَاحْــذَرْ هُدِيتَ مَزَالِقَ الشَـــــــيْطَانِ
أيَامُ هَذَا الشَـــهْر خَيْرُ غَنِيمَــــــةٍ * مَعْـــــدُودَةٍ بِدَقَـــائِقٍ وَ ثَـــــــــــوَانِ
رَمَضَانُ شَهْرٌ رَاحِـــلٌ وَ مُسَــافِرٌ * سُرْعَـانَ مَا يَمْضِي بِلَا اسْتِئْــــــذَانِ
كُنْ فِيـــهِ بَيْنَ تَعَبُـدٍ وَ تَهَجُـــــدٍ * وَ تِلَاوَةٍ لِصَحَـــــــــــــائِفِ القُــــــرْآنِ
تَسْمُو بِرُوحِكَ صَادِقاً فِي تَـوْبَةٍ * وَ تَذُوقُ فِيهِ حَــــــــــــلَاوَةَ الإيمَــــانِ
وَ تَنَالُ مَجْــــداً وَاسِـــعاً مُتَدَفِقاً * وَ تُزَفُ لِلْفَرْدَوْسِ خَـــــــــيْرَ جِنَــــانِ

الجمعة، يونيو 21، 2013

خصائص السنن الربانية



إن للسنن الكونية والاجتماعية خصائص وسمات أربع وهي : الربانية، والعموم، والثبات، والاطراد، وبسط ذلك فيما يأتي :
أ‌- الربانية
إن أهم خصائص السنن في القرآن الكريم هو خاصية الربانية أي ربانية السنن الكونية والاجتماعية، فهي مرتبطة بالله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا وتقديرا، وليس ذلك لأحد من الناس، ولذلك ورد لفظ السنة في القرآن الكريم بإضافتها إلى الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم : (سنة الله)، و (كلمات الله) على اختلاف التعبير كما قال سبحانه: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الفتح: 22-23]، أما إضافتها إلى غير الله من الرسل والأولين؛ فإن إضافتها إليهم باعتبار تعلقها بهم، وإنما هي سنة الله فيهم.

والقرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنن الكونية والاجتماعية التي تحكم عالم الشهادة، يريد أن يؤكد الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان، لأن اكتشاف انتظام هذه السنن والقوانين وعملها ينبغي أن يقود إلى الإيمان بالله عز وجل لا إلى الطغيان والاستغناء عنه سبحانه، فعندما يقرأ الإنسان صفحات الكون أو صفحات التاريخ والاجتماع، ينبغي أن يقرأها باسم الله الخالق (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: 1-5].

إن التوكيد على مصدر السنن والقوانين الذي هو البارئ سبحانه وتعالى؛ هو الذي يعطيه قيمته الرئيسة، وميزته الكبرى، فهو وحده مناط الثقة في أنه المنهج المبرأ من الجهل والهوى والانحراف في التفسير، هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري والتي نراها مجسمة في جميع المناهج التاريخية والاجتماعية التي صاغها البشر.

ب‌- العموم والشمول
وتتميز هذه السنن أيضا بالعموم والشمول؛ فهي تنطبق على الناس جميعا، دون تمييز ودون استثناء، وبلا محاباة، فالجزاء فيها من جنس العمل، والنتائج بمقدماتها، بغض النظر عن الدين، والجنس واللون، والأصل والإيمان، والكفر، فالكل في ميزانها سواء، كما قال تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) [النساء: 123]، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه وانحرافه ولو كان أطهر أمة، وخير مجتمع كمجتمع النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنا لخطئهم في غزوة أحد، فلم يسوغ القرآن عملهم، ولما قالوا حين أصابهم ما أصابهم : أنى هذا ؟ ! وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمين ؟؟ وكيف نهزم ؟ ! أجابهم القرآن بوضوح : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [آل عمران165 ]، وبين لهم في آية أخرى هذا الذي هو من عند أنفسهم والذي كان سبب الهزيمة بقوله : (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم ) [آل عمران152].

فمن سار على سنن الله في الحرب مثلا، ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدا أو وثنيا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا، وعليه يتخرج انهزام المسلمين في غزوة أحد حتى وصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشجوا رأسه وردوه في تلك الحفرة .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك العموم والشمول : (وسنته: عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة، ولهذا قال (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) [القمر43] وقال : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات22]، أي أشباههم ونظراؤهم، وقال : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) [التكوير7 ]، 50 قرن النظير بنظيره، وقال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم) [البقرة214]، وقال : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة100] "فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة"

ومثال العموم والشمول في السنن النفسية والطبائع الإنسانية في الأفراد والأمم قوله تعالى : (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء28] وقوله : (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: 37]، (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) [الإسراء: 11]، (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: 54]، فهذه سنن عامة وشاملة في جميع البشر .

ومثال العموم في سنن التغيير : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، فهي سنة عامة شاملة لكل بني الإنسان لعموم لفظ (قوم) في الآية.
ومثال العموم في سنة التداول : (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140].

ومثلها سنة التدافع : (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251] فلفظ (الناس) في الآيتين عام في البشر أجمعين، وهذا في القرآن الكريم قليل من كثير، وصبابة من غدير.

ج- الثبات والاستمرار
إن من خصائص السنن الكونية والاجتماعية التي عينها القرآن الكريم خاصية الثبات والدوام، أي أنها لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول، وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين، وتعمل في عصر سفن الفضاء عملها في عصر الجمل سفينة الصحراء،وثبات السنن وعدم تغيرها وتحولها أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال، يدل عليه تاريخ الأمم والحضارات والواقع المشهود، فكل من جاء بالأسباب وأتى بالموجبات تحققت فيه سنن الله وأحاطت به.

فمثلا من جاء بأسباب الهلاك والدمار وقعت به وفق سنة الله تعالى لا محالة، وأن الهلاك لن يتبدل إلى نعيم وفقا لثبات السنن،ومن وجب عليه العذاب في الدنيا لإتيانه بأسبابه لا يتحول عنه إلى غيره؛ لأن سننه تعالى تجري على وزان العدل والحكمة، ولا يظلم ربك أحدا .

و دليل خاصية الثبات قوله تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 62]، وقوله سبحانه في سورة فاطر : (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) [فاطر: 43]. 
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين لفظي (التبديل) و (التحويل) مع ضرب الأمثلة ليتضح المراد.

فقال :« (فالتبديل) : أن تبدل بخلافه، والتحويل أن تحول من محل إلى محل؛ مثل استفزازه – أي استفزاز الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم- من الأرض ليخرجوه؛ فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا، ولا تتحول هذه السنة بأن يكون هو المخرج وهم اللابثون،، بل متى أخرجوه خرجوا خلفه، ولو مكث لكان هذا استصحاب حال، بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور المؤمنين، وظهور الكفار إذ كان لا بد من أحدهما .
وأما أهل المكر السيئ والكفار فهي سنة تبديل، لا بد لهم من العقوبة، لا يبدلون بها غيرها، ولا تتحول عنهم إلى المؤمنين، وهو وعيد لأهل المكر السيئ أن لا يحيق إلا بأهله ولن يتبدلوا به خيرا : يتضمن نفيا وإثباتا، فلهذا نفى عنه التبديل والتحويل ».
والذي يمعن النظر في الآيتين المتقدمتين يجد أن العبارة التي أكد بها الله سبحانه ثبات سننه في خلقه عبارة لا تحتمل الريب واللبس، ومن ذلك استعمال أداة النفي (لن) تلك الأداة التي تفيد النفي في الاستقبال؛ فتنفي وقوع التبديل والتحويل في سنن الله تعالى في المستقبل، وذلك لأن (لن) حرف نفي واستقبال.

ومن الأدلة المتعلقة باللغة كذلك في الآيتين الكريمتين : أن الله تعالى أتى بلفظي (التبديل) و (التحويل) بصيغة التنكير، فجاءت الكلمتان نكرة، وسبقتا بأداة نفي وهي (لن) والقاعدة الأصولية اللغوية : أن النكرة في سياق النفي تعم.
وكذلك فإن المتأمل في قول الله تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، يجد أن الله سبحانه وتعالى كرر النفي مرتين في الآية الكريمة، وخص كلا من (التبديل) و (التحويل) بنفي خاص ومستقل؛ لتأكيد النفي للتبديل والتحويل. وكذلك فإن إفراد كل من التبديل والتحويل بنفي مستقل يؤكد أن لكل لفظ من اللفظين معنى خاص دقيق يختص بكل لفظ على حدة ، وإن كانا يفيدان في عمومهما معنى الثبات.
والقصد من ذلك كله تأكيد ثبات السنن الكونية والاجتماعية في الآفاق والأنفس.
د- الاطراد
والخاصية الرابعة للسنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم هي : الاطراد أي التكرار والتتابع على نهج واحد وطريقة واحدة لا تختلف ولا تتخلف؛ كلما وجدت الأسباب، وتوفرت الشروط، وانتفعت الموانع، ولولا الاطراد لم يصح الاعتبار، وقد قال تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ َـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 137-138]، وقال سبحانه : (َقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111]، وقال : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2].

والاطراد دليل على أن مقتضى حكمة الله تعالى أن يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا بقضاء مخالف، فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون، كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف، بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب كان لهم، ولهذا قال : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، فعم كل سنة له، وهو يعم كل سنته في خلقه وأمره؛ في الطبيعيات والدينيات.

ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر شرحا وبيانا فيقول :(و (السنن) و (أسنان المشط) ونحو ذلك بلفظ (السنة) يدل على التماثل، فإنه سبحانه إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم؛ فإن ذلك لا ينتقض ولا يتبدل ولا يتحول، بل هو سبحانه لا يفوت بين المتماثلين، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل، وهذا القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحكمة في الخلق والأمر، وأنه سبحانه يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، كما دل القرآن على هذا في مواضع كقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)[القلم: 35].

ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، وهي كثيرة".
فالحكمة –إذن- من كون السنن ثابتة ومطردة هو أن تنضبط الموازين، وتستقر معالم الحكم على الأشياء والأحداث والوقائع والأفراد والأمم والتاريخ والحضارات، وإلا كان الأمر فوضى وعبتا ولعبا، وهو ليس كذلك قطعا وجزما .

وهو الأصل الذي نبه عليه شيخ المقاصد الإمام الشاطبي لما بين أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال من هذا الوجود على أنها دائمة وغير مختلفة إلى قيام الساعة، كالإخبار عن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال و أن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله.

ثم يذكرنا الشاطبي أن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين واطراد السنن، وأنه لو لم تكن السنن الكونية والاجتماعية مطردة، لم يعرف الدين من أصله، فضلا عن تعرف فروعه، لأن الدين لا يعرف إلا بالاعتراف بالنبوة، ولا سبيل للاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي.

فلو كان الباري عز وجل خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغيير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير، فثبات التشريع في أصوله وعدم تغيره واضطرابه بتغير الزمان والمكان دليل على أن الخلق الذين شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع.

إن القرآن الكريم بتأكيده المستمر على اطراد السنن الكونية والاجتماعية، وتكررها، وتسلسلها، وتتابعها، يكون قد جاء برؤية علمية للتاريخ والاجتماع، أي أن هذه السنن مطردة، ليست علاقة عشوائية،وليست رابطة بين العلل والمعلولات قائمة على الصدفة والاتفاق، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم ما يميز القانون العلمي الخاضع للاستقراء والملاحظة والتجربة عن بقية المعدلات والفروض هو الاطراد والتتبع وعدم التخلف.

هذا البلاغ القرآني الجليل في مسألة السنن أعرض المسلمون عن هديه، وجنح كثير منهم في العصور الأخيرة إلى إنكار ثبات السنن واطرادها؛ بل إلى تحريم النظر في علل الأشياء وأسبابها، والتوهم بأن هذا الاعتقاد يتعارض مع الإيمان بقدرة الله تعالى وقضائه،ويناقض التوكل عليه سبحانه،ففصلوا بين السبب والمسبب، وبين المقدمة والنتيجة، فسادت بينهم النظرة العفوية الاستسلامية، والرؤية الفوضوية المفككة، التي تنظر إلى أحداث التاريخ والاجتماع والعمران كما لو كانت كومة متراكمة معزولة، منفصلا بعضها عن بعض،لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع من علل ومعلولات؛ وأسباب ومسببات .

وساد ضرب من الفكر الكلامي، انتشر في أطراف العالم الإسلامي؛ مند القرن الخامس الهجري،متأثرا بالجدل الفلسفي الأجنبي؛ سعى إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا، ونزع صفة الاطراد عن السنن؛ بحجة أن الصفات لا ترتبط بالموجودات ارتباطا لازما، بل ترتبط بها ارتباط عادة، فيعتقد هؤلاء مثلا أنه ليس من طبيعة النار الإحراق، ولكن الله تعالى يجعل فيها هذه الصفة لحظة ملامستها! وكذلك السكين ليس من طبيعته القطع، وإنما يخلق الله عز وجل هذه الصفة فيها حين إمرارها على الجلد،وبناء على ذلك،أنكروا كل (باء سببية) في القرآن الكريم، وبدعوا من خالفهم، ومن قال :النار تحرق بقوة أودعها الله فيها؛ فهو مبتدع ضال في زعمهم، ومن متونهم المنظومة في العقيدة:

والفعل في التأثير ليس إلا *** للواحد القهار جل وعلا
ومن يقل بالطبع أو بالعلة *** فذاك كفر عند أهل الملة
ومن يقل بالقوة المودعة *** فذاك بدعي فلا تلتفت

ومرد هذا نفي فكرة الطبع التي كان يقول بها بعض الفلاسفة القدامى،إذ يعتقد هؤلاء المتكلمون أن التسليم بوجود الصفات في طبع الأشياء يعطل الإرادة الإلهية؛ ويجعل هذه الأشياء فاعلة بذاتها وليس بقدرة الله تعالى، وقد أخطأوا حين ظنوا بأن الاطراد في السنن ينفي المشيئة الإلهية أو يعطلها، لأن السنن التي تحكم الوجود، ما هي إلا قدر الله عز وجل، أنشاه حتى يستطيع الإنسان تسخيره واستثماره والاستفادة منه في سائر شؤون حياته، وقد كان من نتائج هذا الفكر الكلامي الجانح تعطيل الأخذ بأسباب النهوض والبناء والرقي، نشأ عنه تخلف المسلمين الحضاري، وسقوطهم الاجتماعي، والانصراف عن العطاء والعمل، إلى الكلام والمراء والجدل.

كما أن التصوف الفلسفي البدعي الذي فشا في المسلمين فشوا كبيرا في العصور المتأخرة كان من أعظم العوامل التي أدت إلى ضعف الوعي باطراد السنن؛ مما أفضى إلى الاستهانة بالعلوم التجريبية، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وإهمال الدنيا وعمارة الأرض، والانعزال عن الخلق في الربط والزوايا والتكايا، بحجة التربية والتزكية من أجل الآخرة، وترك الأخذ بالأسباب، والسلبية والتواكل، والإعراض عن التفكير العلمي الذي أصله الإسلام إعراضا يكاد يكون تاما، وانتشار الخرافات والأساطير والبدع بينهم، وميل الناس ميلا عظيما إلى الاشتغال بالخوارق والكرامات، والأضرحة والأولياء والمزارات.